15 février 2008
كلمات من مسرح الواقع
كلــمـــــات من مســرح الـــواقـــع

ما بين الأمس و اليوم صحوت في ليل تختفي تحت ضرس صمته برودة غاضبة، و كان الصمت عنوانه الضجر و الحيرة قيثارتها السمر، تمحو تلك الفسحة من الأمل في ليل السفر، و لكن لمعت نجمة مستقبل صامتة تلوح بعلم وهمي الألوان يطمح لمصادرة سنين ذابلة و من هنا بدأ السؤال : ما وجه الغرابة في دنيا الأحلام؟ و ما طبيعة المشاعر المحاصرة بالقيم المادية المفرغة من كل مل هو معنوي سام؟ هل تجتمع التناقضات في ساحة واحدة؟ لم أعثر على إجابة لكلمة صداها متكرر النغمات و أنا أطالع بحسرة واقعا مرا نعايش تفاصيله كل لحظة مئات المرات. استعدت شريط الذكريات، و تذكرت أياما كنا فيها أسياد سيدة الرياضات، أياما كنا نزهو فيها فخرا بما حققناه طوال شهور و سنوات. نوستالجيا مزمنة تراود مخيلتي المرهقة بهموم الواقع، أحاول عبثا تجاوزها و التمسك بنور الأمل و لكن جرم المقارنة لا يفارق أناملي؛ رغم رفضي المبطن أقع في المحضور و أقارن اللامقارن، أقارن زمنا ارتبطت فيه الساحرة المستديرة ببهجة و فرحة وفخر، بهجة بنصر و فرحة بإنجاز و فخر برجالات آثروا إلا أن يرفعوا العلم عاليا و ووضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؛ و بين زمن سقطت فيه ستارة مسرحية الأقنعة المزيفة التي تمثل أشخاصا تفاعلت أجسادهم و ماتت مشاعرهم نتيجة عجز دائم أمام أمور اختلط فيها التوافق باللاتوافق، المبالاة باللامبالاة، الكذب بالصدق، الحقيقة بالخيال، المعرفة بالجهل، تكاثرت الثنائيات المتناقضة و ساحة المجتمع فارغة من كل قيمة حقيقية للحياة. أمـــــــــل كرة القدم ألهمتني حصة كافية من الأمل لو وزعت على العالم بأسره لاكتفى منها و اعتكف على كل ما له صلة به، أمل يزيد إشعاعا مع كل دمعة تذرفها العين، و مع كل استفاقة من صدمات الزمن التي صارت عادة متوارثة في ضل سطوة رواد الظلم و الظلام، صدمات أنهكت جسدا كرويا نحيلا- أضحى غارقا اليوم في أحلام سرمدية-، و اغتصبت في لحظة فرحة مغرية لملايين عشقوا سحره الأبدي. غريب أمر مسؤولينا، يعشقون العبث بمشاعر شعب بأكمله و يتلذذون بإعطائنا أملا من سراب يجعلنا نطير بعيدا بأجنحة وهمية، و بعد هنيهة، يسحبون الأمل و تكون السقطة قاتلة، يمدوننا بماء قليل و يرغموننا على السير في الصحراء دون تحديد الطريق، فلا الماء يكفينا و لا الطريق في الصحراء ينتهي، و نحن ببراءة صبيانية نتشبث بالأمل و لو من على بعد ميل و ميل، و نقول بين أنفسنا سوف يولد للقيد قيد و يشرق نيزك حول جديد. في خضم صمت لحظات التأمل اجتاحت الأمنيات سراب واقع مر، و فاقت الأحلام مسافات من اللامبالاة تطاردها، و في غمرة ذلك الصمت الدافئ الذي تحتضنه صرخة ضاجرة امتنعت عن دموع أبت الخجل، دموع تجرأت على رسم معاناة الشقاق بين شعب و ولاة أمر اخترعوا النفاق لغة في تحاورهم و أبدلوا الصدق في تزييف فاضح لغرورهم. رفعت الستارة نجد أنفسنا اليوم ممتنين لتلك الصدمة التي جعلت قصر كرتنا ينهار نتيجة خدش متكرر في جدار دعائمه، جدار رغم شفافيته، إلا أننا كنا نأبى النظر إلى ما بداخله خوفا من هول المفاجأة و نشوة بفرحة لحظية و لكن صوتا خفيا بداخلنا كان ينادي بأن وراء الشفافية شيئا غامض، و أن الوجوم يخفي مآسي ما لبثت تطفو و تتناسل تباعا حاملة معها ضربات تلو ضربات على أم الرأس، و نحن نرفض الخضوع لليأس و نزيد تمسكا بقشة الأمل و ننتظر نهاية المسرحية رغم أنهم أسدلوا الستار بطريقتهم المعهودة عند نهاية غير منطقية أفقدت النص المسرحي حلاوته و جعلته دراما متكررة لمآسي لا متناهية . تأمل التأمل إلام تنظرون؟؟!! إلى عيون أبلتها السنين؟؟ إلى قلوب كثر بها الأنين؟؟ إلى دموع اشتاقت للحنين؟؟ ** في صحوة الأمس الحزين.. في دفء شظايا السنين ارتاحت أحلامنا في أحزاننا ارتاحت دموعنا في حرماننا اشترينا الصحوة بدل الغفيان و رقصنا على أنغام الحنان قاومنا منعرجات المستقبل بأمل العودة عودة إلى ذكريات ماثلة أمام أحلامنا كجدار لا يكسر ولكنه يلمع لروعة ما فيه..


09 février 2008
أمي و كرة القدم: اختزال لقصة شعب يعشق الكرة
أمي و كرة القدم: اختزال لقصة شعب يعشق الكرة
كتبت يوم 27 أكتوبر 2007
خرجت من مقر عملي بالأمس، و سعيت مسرعا أحث الخطى إلى البيت، علي أحظى بمتابعة الجولة الثانية من لقاء الرجاء في دوري أبطال العرب أو على الأقل بضع دقائق منها. عند وصولي دخلت مسرعا، و بإسراعي في الدخول فهمت والدتي مقصدي و قالت " رابحين ب 2-1"، استغربت لإجابتها و زاد استغرابي عندما اكتشفت أنها تابعت اللقاء كاملا و بكل تفاصيله إذ و بمجرد جلوسي بادرتني قائلة " كانوا رابحين ب 2 ل0 ساعة داك الحكم ولد الحرام عطاهوم بنالتي". استغرابي هذا نابع من كوني أعرف موقف أمي من متابعتي الشغوفة لمقابلات الساحرة المستديرة، خصوصا عندما تحرمها لقاءات الليغا أو الكالتشيو أو البطولة الوطنية من متابعة برامج قناة الناس . و بارتباط مع فريق المريخ السوداني، أتذكر أنني كنت يوما أتابع goal show على قناة art فدخلت و قرأت إسم فريق المريخ السوداني فمازحتني قائلة "كملتي الكورة ديال العالم كامل أو طلعتي المريخ". سألتها " الميمة كيفاش حتى جالسة كتفرجي فالكورة؟" فأعطتني جوابا اختزلت فيه إحساس أمة بأكملها " شفت ولادنا لاعبين بوحدهوم قلت نجلس ندعي معاهوم"
استحضرت حينها لحظات كثيرة ارتبطت فيها أمي بمتابعة كرة القدم، و اكتشفت أن تلك اللحظات كانت دائما على علاقة بمشاركات المنتخب الخارجية أو بأحداث تهم المغرب ككل، تذكرت حين زغردت عندما سجل الشماخ هدق التعادل الشهير في تونس، و تذكرت وابل الدعوات التي سلطتها على بلاتر عندما أعلن جنوب إفريقيا منظمة لمونديال 2010 و تذكرت حسرتها عندما حرمتنا تونس من التأهل للمونديال الأخير..وغيرها كثير من المواقف.
حالة أمي نموذج ل 30 مليون مغربي يعشقون كرة القدم، قد يكرهونها أحيانا، و لكن عشقهم يبدو جليا إذا ارتبطت الممارسة بالكرامة الوطنية، حب الوطن بالنسبة لهم لا يقبل التجزئة، يحبون تراب الوطن و هواء الوطن و تفاصيل الوطن الدقيقة، و حبهم للكرة نابع من هذا الولع الأسطوري الراسخ.
من يعايش تفاصيل حياة المواطن المغربي، سيكتشف كم هي بسيطة أحلامه و أمانيه، و كم هي كبيرة قناعاته و مبادئه، لا يطلب من متع الحياة غير الستر و ما يضمن له حياة كريمة رفقة ذويه، يخلص في عمله تجاه نفسه و تجاه غيره و تجاه الله عز و جل، و لا يقبل أن تداس كرامته و لا كرامة و طنه، و يجد في متابعة الرياضة عموما و كرة القدم خصوصا مجالا يعلن فيه تمردا بريئا على واقع مر، وكثيرة هي المقابلات التي شكلت للمواطن المغربي مسألة حياة أو موت، لأنها بالنسبة له كانت بمثابة حرب بلا سلاح و معركة اللاعبون صفها الأول و عموم الشعب قوى معبأة تقف ورائه.
مظاهر حب المغاربة لكرة القدم كثيرة لا تحصر، و نعيش جماليتها في تفاصيل عديدة قد يتجاوزها البعض، ولكنها تحمل دلالات عميقة بحمولات مرتبطة بالثقافة المغربية المتجذرة.
في شهر رمضان مثلا تكثر بطولات الأحياء، و في وقت معين تجد أبناء الحي يتوجهون فرادى و جماعات لمتابع اللقاءات، و في وقت قصير ترسم لوحات جميلة لجماهير غفيرة تضم كل الفئات الاجتماعية و العمرية، صغار، كبار، شيوخ ، عمال، طلبة، دكاترة، أساتذة و غيرهم، صورة من صور التكافل و الدفء الاجتماعي الذي لن تجده في مكان آخر، مكسب حاولت قطاعات عديدة أخرى تحقيقه و لكنها لم تفلح، لأنها فقدت طهر كرة القدم في قلوب المغاربة.
رغم التطور الكبير الذي عرفه الحقل الكروي، و الذي حتم عليه الارتباط بمجالات أخرى، قريبة منه و ربما بعيدة، إلا أن تصور المواطن المغربي البسيط لكرة القدم لم يتغير، ونظرته لها احتفظت بتلك البراءة الفطرية متجردا من كل الضجيج الذي أصبح يرافق الممارسة الكروي، بالنسبة له كرة القدم هي مقابلة بين فريقين يحب أحدهما و يتمنى أن يحقق الفوز، فيفرح به إذا تحقق و يحزن، و ربما لا، إذا كانت النتيجة غير ذلك، و يخرج مرددا العبارات الكلاسيكية التي تعودنا قولها و سماعها بعد كل لقاء : كان خاصو يدخل فلان، تعطل فالتغيير، فلان ما دار والو..إلى غير ذلك التعليقات التي يلعب فيها المتتبع دور المدرب و المحلل و ربما المنقذ، من يدري؟؟؟
من يعايش أحاديث البسطاء عن كرة القدم بالمغرب، سيعاين بغرابة درايتهم الكبيرة بمشاكل الحقل الكروي، سيشتف وعيهم الفطري من خلال تحاليل قد يعجز عن إعطائها خريجوا الجامعات و المعاهد المتخصصة. و ستزيد الغرابة عندما يكتشف أنه بالإضافة لقدراتهم التحليلية، فهم يمثلون موسوعات تاريخية لأحداث ووقائع لن تجدها ربما في سجلات التوثيق الرسمية، وقائع من رحم الشارع الكروي المغربي مثقلة بهموم و أفراح أجيال متعاقبة.
هو إذن سحر العشق الكروي الذي يمثل المغاربة رمزا من رموزه البارزة، عشق طبيعي بدون أقنعة و لا تصنع و لا رغبات في تحقيق مآرب شخصية، هو ببساطة كعشق الأهل و الولد، و ببساطة أكثر كعشق الوطن..
كلمة في عشق الوطن
عشقت تراب وطني و حملت همومه و أحزانه قبل أفراحه، عشت تفاصيل حياتي و أعيشها بحلوها و مرها، و لكن عشقي لوطني لم و لن يخفت أبدا..
وطني، قصة بدايتها الأزل و نهايتها الخلود،و تفاصيلها ملاحم تجمع بين حضارة راسخة و تاريخ حافل و واقع مر و حاضر أمر، و أبطالها، ظالم و مظلوم ومؤمن بقدر..
وطني مركب يصير في بحر الحياة، أمواجه ظلم، رياحه عزيمة و قبطانه شعب يتشبث بحقه في الحياة..
وطني قصيدة كاتبها بطل، أبياتها أمل، و قوافيها حب عذري..
وطني قلبي، ترابه مسكني في محياي قبل مماتي، أخط عبق تاريخه بمداد فخر، و أسير بحبه مزهوا رافعا الرأس..
دمت يا وطني عزيزا رغم كيد الكائدين، رغم غدر أبناء هم لك، احتضنتهم فخانوك ، واحتويت أخطائهم بسعة قلب فزادوا عتوا و ظلما..
تدخل المخزن في المجتمع المغربي: الرياضة نموذجا
تدخل المخزن في المجتمع المغربي: الرياضة نموذجا
عن "مخزنة الكرة " لمنصف اليازغي

التغلغل في المجتمع و تبعاته
عرف المغرب في مختلف العصور تدخلا واسعا للسلطة المخزنية في مختلف مناحي الحياة، و كان هذا التدخل وسيلة استعملتها الدولة من أجل فرض سيطرتها على كل القطاعات الحساسة لتفادي خلق نوايا للتوثر أو الثورات، الهرم الحاكم في غنى عنها .
ظهرت أولى بوادر اكتساح أفراد المخزن للمؤسسات المغربية أوائل السبعينيات، تزامنا مع الانقلابين الفاشلين الذان قادتهما مؤسسة العسكر التي كانت أصلا تتحكم في عدد كبير من القطاعات، طعنة في ظهرٍ جعلت الحسن الثاني يعيد حسابات كثيرة و يضع استراتيجة إعادة هيكلة جذرية لكل مؤسسات الدولة، و انطلقت هاته الإستراتيجية بتنحية الرؤوس القديمة و تعيين وجوه جديدة يستطيع من خلالها القبض بيد من حديد على كل الهياكل الحساسة، فكان أول ظهور لجيل من المسيرين المخزنيين سيتذكرهم التاريخ طويلا: إدريس البصري، عبد العزيز بناني، محمد المديوري، حسني بن سليمان و آخرون، أسماء جثمت على قلوب المغاربة لما يقرب من أربعة عقود من الزمن.
أسئلة عديدة تطرح نفسها لدراسة ظاهرة نظام مخزني لا يختزل جهدا لتدعيم سلطاته و ممارستها بكل تفاصيلها و جزئياتها.
هيمنة استغلت تراكمت سيكولوجية متجذرة بعمق في المواطن المغربي الذي يمثل المخزن بالنسبة له قوة قهرية يجب تفاديها: " الما،العافية و المخزن" و اجتناب الوقوع معها في صراعات " لي قالها المخزن هي لي كاينة"، هذا التمثيل النمطي للمخزن هو نتيجة لترسبات نفسية و اجتماعية في صلب ثقافة الشارع المغربي.
السلطة ظاهرة مجتمعية بالأساس مرتبطة أساسا بمبدأ التوزيع الاعتباطي للسلط الذي ولد صراعات طبقية بين الهرم الحاكم و طبقات الشعب الكادحة التي عانت من فشل التمثيلية الشعبية في حمايته من بطش السلطة المخزنية، هذا الفشل أتاح الفرصة أمام الدولة من أجل مأسسة (تحويل إلى مؤسسة) المخزن و إعطاءه شرعية مقنعة و تحويله إلى جزء من السلطة التنفيذية بعد أن كان مجرد قطاع تنظيمي هدفه حفظ الأمن داخليا و حماية التراب خارجيا، و هي أساسا الأدوار التي خلق من أجلها المخزن منذ الأزل.
هيمنة المخزن على المجتمع المغربي و مؤسساته تتخد عدة أشكال مباشرة و غير مباشرة، و ترتكز بالأساس على القوة النظرية التي يتمتع بها داخل المجتمع، فاستغل هاته السلطة ليخترق المجتمع تدريجيا و يتغلل في أوردته و يبسط سياسة الدولة و توجهاتها فيفرضها في صفوف المواطنين و يردع أي محاولة للاحتجاج أو إبداء الرأي : هو أذن سعي لتقديس قرارات الدولة رغم أنها صادرة من أشخاص عاديين معرضين للخطأ.
أول أوجه سيطرة المخزن على المؤسسات في المغرب ظهرت بإلحاق وزارة الإعلام بوزارة الداخلية في ظاهرة هي الأولى و الوحيدة في العالم، و تولى مهمة قيادتها شخص إسمه ادريس البصري، إبن بار لمؤسسة الشرطة، و يد من حديد سيطرت على المؤسسة الاعلامية بأفكار مخزنية مصدرها البلاط لما يقرب من 40 سنة، ترتبت عنها مشاكل عديدة عصفت بالقطاع و جعلته يعاني ليومنا هذا من تبعات الماضي.
بالرغم من أن الأمر اتخد أشكالا جديدة اليوم إلا أن المبدأ بقي كما هو، إذ أنه بدأ يتحقق بشئ من التحايل، فبدل تعيين أشخاص بزي مخزني صرف، يتم الاعتماد على مدنيين خريجوا مدرسة البلاط، يتم يكوينهم تكوينا خاصا لكي يبلوروا سياسة الهرم الحاكم في إطار استراتيجيات محكمة تهدف إلى تلميع الصورة مع الاحتفاظ بتفاصيلها.
هذا التحايل يتخذ شكلا آخر باعتماد السلطة على ربط علاقات مع الهياكل المجتمعية تجعلها تشكل جزءا من الواقع المجتمعي و مكوناته سواء أكانت جمعيات أو تنظيمات نقابية أو منظمات ذات منفعة عامة، كما ذهبت أبعد من ذلك بتشكيل منظمات للعمل الجمعوي بعباءات مخزنية كمؤسسة محمد الخامس للتضامن.

سطوة المخزن على القطاع الرياضي : كرة القدم كنمودج
تعتبر الرياضة في المغرب المجال الأكثر اجتذابا للانتباه لكل فئات الشعب سواء بالممارسة أو المتابعة، فتحولت بمرور السنين إلى أحد أكثر القطاعات حساسية ببلادنا لاعتبارات عدة، أهمها أنه مجال يحتضن ثلثي سكان المغرب المتمثل في الشباب.
لم يسلم القطاع الرياضي من سلطة المؤسسة المخزنية كغيره من القطاعات الأخرى، سواء بالإشراف المباشر أو عن طريق فرض سياسات معينة و طرقا للتسيير بعينها، ممارسات و إن كانت في مجملها مخالفة لمبادئ الشرعية الدولية الساعية إلى تحييد عمل الحكومات تجاه الرياضة،إلا أنها تزيد حدة بمرور السنين.
بدأ تفاقم الوضع منذ عقود مضت، و لعل أشهر مظاهر هاته السيطرة كانت تولي محمد المديوري، الرجل الثاني في نظام الحسن الثاني مقاليد جامعة ألعاب القوى لمدة طويلة، إضافة لرئاسته لفريق الكوكب المراكشي لكرة القدم. فالبرغم من المسؤوليات الجسيمة التي كان يتحملها كمدير للأمن الملكي و الجهد و الوقت اللذان تتطلبهما مهمة كهاته، إلا أن الهرم الحاكم أصر على توليه للمهام القيادية في جامعة أم الرياضات، اعتبارا لسلطاته الكبيرة و الحضوة التي كان يتميز بها، فضمنت السلطة بذلك سيطرتها على أحد أهم أضلع الرياضة المغربية.
نموذج آخر وجب التذكير به، هو استسياد البصري على رياضة الأغنياء، و بسط سيطرته عليها و على ماليتها الضخمة لمرحلة ليست يسيرة، و حتى بعد أن تمت تنحيته، تولى زمام المسؤولية في جامعة الكولف شخص آخر من البلاط، يتعلق الأمر بالأخ الأكبر للملك.
نصل الآن إلى المجال الذي يهمنا هنا، و المتمثل في كرة القدم، هذا القطاع الذي عانى من الارتجالية في التسيير منذ تأسيس اتحاده سنة 1956، و كان ضحية لنزواتٍ أملتها أزمات متعاقبة.
يحتفظ التاريخ المغربي بحالات شاذة كثيرة لسطوة المخزن على كرة القدم، وفي مصادفة غريبة ارتبطت الكرة ببلادنا بأسماء لها ماض أسود مع انتهاكات حقوق الإنسان و سنوات الجمر و الرصاص، و كانت الغالبية العظمى منهم ينتمون لمؤسسات العسكر و الشرطة.
فكما ذكرنا سابقا، نزح فريق الكوكب المراكشي لسنوات تحت رحمة المديوري، كما تسلطن الكوميسير عرشان (منظمات عديدة تطالب بمحاكمته على الجرائم التي اقترفها في حق الشعب المغربي) على الفريق الزموري في السابق، و عانى فريق اتحاد سيدي قاسم نفس الشيء مع الجنرال الراحل أحمد الدليمي...هذه مجرد أمثلة لحالات كثيرة من هذا القبيل مرت بها الساحرة المستديرة في بلادنا.
بن سليمان و "عسكرة الكرة"
لا يفصل بين القيادة العامة للدرك الملكي و جامعة كرة القدم إلا شارع، و في الجهة المقابلة تتمركز بناية"le complexe" أحد أشهر المعتقلات السرية في تاريخ المغرب الحديث.
هذا التوزيغ الجغرافي المثير للدهشة لم يكن وليد الصدفة، فقد شكلت هاته البقعة بثالوثها المليء بالمتناقضات خلاصة لقصة واحد من أشهر و أقدم رجال الشرطة في المغرب، يتعلق الأمر بالجنرال حسني بن سليمان.
تولى بن سليمان زمام جامعة الكرة بعيد إخفاق مونديال 94، حيث تم تعيينه على رأس لجنة مؤقتة لتسيير كرة القدم، في خرق واضح لمبادئ الديمقراطية و لوائح الشرعية الدولية، وسرعان ما تحولت اللجنة المؤقتة إلى مكتب جامعي بقدرة قادر رغم أنف المعارضين الذين سلموا بالأمر خوفا من بطش "الشاف".
منذ توليه تسيير الحقل الكروي، لم يعط بن سليمان أي تبرير للقرارات التي اتخذها، و لم يجر أي لقاء صحفي لتنوير الرأي العام حول الاستراتيجية التي تتبعها جامعة الكرة، على اعتبار أن سيادته جنرال، والجنرالات لا تحاسب من أحد، خصوصا إذا تعلق الأمر بالجنرال الأكثر سلطة و الأكثر شراسة بالمغرب.
اعتمد بن سليمان على سياسة شد الحبل سواء مع الفرق، الإعلام أو الجماهير، و كثيرا ما اتخذ قرارات أحادية الجانب تحمل دلالات واضحة تدل على أن المخزن لن يفرط أبدا في تسيير أكثر القطاعات الرياضية حساسية، و بمرور السنين و استمرار تناسل القرارات الاعتباطية ترسخت لدى الشارع الرياضي قناعة مفادها أن تعيين هذا الشخص في مثل هذا المنصب هو وسيلة لبسط السيطرة على قطاع الشباب من خلال تقنين عسكري للرياضة الأكثر متابعة في بلادنا.
الحرب الخفية التي يشنها الجنرال على الشباب اتخدت أشكال عديدة في السنين الأخيرة، و ذلك بعد أن لمس وعيا كبيرا في صفوف هاته الفئة، التي سارعت إلى فضح ممارسات الجامعة و التنديد بتجاوزاتها علنا سواء في وسائل الإعلام أو من خلال رسائل مشفرة في الملاعب، و هو تحول أعتبره جوهريا في مسار النضال الشعبي ضد جامعة الكرعة، و هو ما لم يستسغه بن سليمان فجاء الرد سريعا من خلال مجموعة من الاعتقالات في صفوف الجماهير،و تواطؤ مع القطب الإعلامي العمومي لتشويه صورة المتتبع المغربي بعد المكسب الكبير الذي حققه في الأوساط الدولية بعد ملحمة ديربي البيضاء.
بالرغم من أن تسيير جامعة الكرة يمكن اعتباره منصبا سياسيا بالأساس، إلا أنه يتطلب حدا أدنى من المكتسبات و الكفاءات التي لن تتوفر إلا بدراية كافية بمشاكل الميدان، و تكوينا أكاديميا خاصا في التسيير و التدبير الرياضي، و التكوين العسكري المغربي بالشكل الذي نعرفه لا يوفر مثل هاته الكفاءات، و هذا ما يفسر فشل جامعتنا الموقرة في وضع استراتيجيات واضحة للنهوض بالحقل الكروي، و الاكتفاء دائما بحلول ترقيعية.
خلاصة القول أن سيطرة المؤسسة المخزنية على شؤون التدبير في مختلف القطاعات ببلادنا كانت سببا رئيسيا في عرقلة قاطرة التنمية، لأنها بدل أن تفكر في حلول جذرية لمشاكل البلاد، ركزت أعمالها في إخراس صوت الشعب و ترسيخ ثقافة الخوف و الرهبة لدى المواطن.

01 février 2008
الإعلام المغربي و لعبة الدمى المتحركة
الإعلام المغربي و لعبة الدمى المتحركة

يعتبر الإعلام في المجتمعات الحديثة المحرك الأساسي لكل مجالات التطور الأخرى، فيرتبط بها ارتباطا و ثيقا لأنه يمثل القناة التي تصل بها القوى الفاعلة إلى مختلف فئات الشعب، و بالمقابل، فالدور المحوري لوسائل الإعلام يتمثل في كونه لسان حال الأمة و صوتها المدوي داخل أجهزة صناعة القرار و في المحافل الداخلية و الخارجية.
لكل هاته الاعتبارات، يشكل تطوير الإعلام أهم الرهانات الإستراتيجية بالنسبة للنظم الديمقراطية، و أولوية من الأولويات التي ساعدت هاته النظم في تحقيق عدة مكاسب سياسية، اقتصادية و رياضية و حتى عسكرية.
في بلداننا العربية، الوضع مختلف تماما، فالاعلام يعاني من مرض عضال اسمه النمطية في التهليل و التطبيل للنظام الحاكم و التبعية لأنظمة أقل ما يقال عنها أنها دكتاتورية و لا هم لها سوى التفنن في سحق طبقات الشعب و استنزاف ثرواته.
هاته التبعية الأبدية، أدت إلى إحداث قطيعة فضيعة بين مكونات الحقل الإعلامي و صفوف الطبقات الكادحة، و لعل أبراز مظاهر هاته القطيعة هي غياب أو تغييب تغطية هموم الشعب الحقيقية و الواقع الأسود الذي يعيشه، و الاكتفاء بتزويق الصورة أمام العالم الخارجي.
يا المزوق من برا آش اخبارك من لداخل، هذا هو حال إعلامنا اليوم الذي صم آذاننا بخطابات كاذبة هدفا الضحك على الذقون و "ووضع العكر على الخنونة"- شرف الله قدركم-، خطابات من فئة "المغرب أجمل بلد في العالم"، أجمل بلد في العالم إلى حد الاحتقان و السخط الجماهيري و بوادر انفجار وشيك.
في المغرب، لا يمكن الحديث عن أعلام حر و موضوعي و هادف، لأن هذا الإعلام يتخد شكلين اثنين لا ثالث لهما : أحدهما الخضوع للسلطة و تمرير خطاباتها المسمومة و رسائلها المشفرة ذات الحمولة الترهيبية، و الثاني تتحكم فيه اللوبيات الاقتصادية و الإيديولوجية (التيارات الاسلاموية كمثال)، و المتضرر بطبيعة الحال هو الشعب بإرثه الثقافي و الحضاري.
معضلة أخرى يعاني منها الحقل الإعلامي بالمغرب هي الزحف الفرنكفوني الرهيب الذي يطغى على أغلب المنابر الإعلامية ، فعقدة "فرنسا الأم" لا زالت ترخي بضلالها على الساحة المغربية بالرغم من مرور أكثر من 50 سنة على الاستقلال، و لا زالت جمل من قبيل " في فرنسا و الدول المتقدمة" تتداول على ألسن رجال الإعلام، و كأنه مكتوب علينا أن نعاني الاحتلال في زمن الاستقلال، غير أن احتلال الحاضر أعتبره أخطر من احتلال الماضي، هو اغتصاب و سطوة على الفكر و الثقافة و طمس ممنهج للهوية.
بطبيعة الحال نحن لسنا ضد الانفتاح الثقافي على العالم الخارجي، و لا ضد اللغة الفرنسية كلغة حية، و لكننا نحتفظ بحقنا في احترام مُثُلنا كمجتمع عربي مسلم.
الإعلام الرياضي المغربي تحت المجهر
أهمية الإعلام في المجال الرياضي لا تقل عن نظيره في المجالات الأخرى، فتدفق المعلومات أهم عنصر من عناصر تحقيق النهضة في المجال الرياضي عموما و كرة القدم على وجه الخصوص، أكثر من هذا فالإعلام عادة يتجاوز وظيفة نقل المعلومة أو الخبر إلى النقد و التحليل، أي أنه يصبح في موقع مهم الهدف منه التأثير على صناع القرار و المساهمة في إعطاء أفكار جديدة تساهم في إغناء أوراش الإصلاح؛ فهل يقوم رجال الإعلام المغاربة بالدور المنوط بهم على أكمل وجه؟
الإجابة على هذا السؤال تستوجب إلقاء نظرة شمولية على واقع الإعلام الرياضي بالمغرب و المكانة التي يتخذها داخل المنظومة الكروية ببلادنا.
لا يختلف اثنان أن قطاع الإعلام الرياضي عرف تطورا ملموسا في السنبن الأخيرة، فقد تزايد عدد الصحف المتخصصة في المجال،و زاد اهتمام رجال السلطة الرابعة بالقطاع الرياضي، و لعل القفزة الأبرز هي تلك التي حققها القطاع السمعي البصري بإنجاب قناة متخصصة في الرياضة استطاعت في ظرف سنة واحدة أن تحقق إنجازات مهمة و غير مسبوقة، و تمكنت من استقطاب شريحة مهمة من المتتبعين.
إلا أن عمل كل هاته المنابر ظل محط انتقاد كبير بسبب غياب الموضوعية في التعامل مع مجموعة من القضايا المصيرية، وبسبب الغرق في ممارسات لا أخلاقية لا تمث بأي صلة لميثاق الشرف الذي يعمل تحته الإعلاميون، فالتبعية التي تحدثنا عنها سابقا جعلت الصحافة تُسخر في أعمال غير شريفة الهدف منها تحقيق مصالح لأشخاص بعينهم، كما أن الأقلام صارت تعرض للبيع لمن يدفع أكثر و أضحت تُستخدم ضد أشخاص شرفاء همهم الوحيد هو النضال من أجل واقع كروي أفضل.
كلنا نتذكر الحملة الشرسة التي قادتها بعض الصحف الصفراء، التي تتبجح بريادة وهمية لقطاع الصحافة الرياضية، ضد الإطار الوطني الكفء بادو الزاكي بعد إخفاق التأهل للمونديال، لقد تناسى هؤلاء المحسوبون أن هذا الأخير أحدث ثورة في الكرة المغربية و أدخل بهجة إلى قلوب المغاربة لم يعهدوها من قبل في ظل الواقع المرير الذي يعيشونه.
الإعلاميون المغاربة دخلوا خندق الفساد من بابه الواسع، و أصبحوا مع المختلسين و المفسدين و مصاصي دماء الشعب في صف واحد، رغم أن آمال المغاربة فيهم كانت كبيرة، آمالا في تعرية الحقائق و النضال من أجل التغيير و تحقيق الإقلاع المنشود.
أعتقد أن المشكل الذي يعاني منه رجال الإعلام ببلادنا هو نفسه الذي يعاني منه السياسيون و صناع القرار، إنه داء غياب الانتماء و حب الوطن، فكل واحد منهم يضع مصلحته فوق كل اعتبار و يتبع سياسة "أنا و من بعدي الطوفان"، فهمهم الوحيد هو استمالة حب المخزن و رضاه يهدف الوصول إلى السلطة.
و أنا أتابع أحد البرامج الرياضية بقناة "دريم" المصرية، استوقفني موقف شجاع قام به البرنامج و يتمثل في خروج الكاميرا و نقلها لآراء الجماهير في هزيمة المنتخب المصري أمام نظيره الياباني في مباراة ودية، أعطيت الكلمة لكل فئات الشعب للتعبير عن ما يختلجها تجاه منتخبها، هي بادرة صغيرة و لكنها كبيرة في معانيها و دلالاتها، فالقناة بذلك تبرهن على أنها تضع صوت المواطن ضمن اهتماماتها، و بالمقابل، فقنوتنا الموقرة لا تسمع صوت المواطن إلا أيام عيد العرش و عيد الشباب و غيرها من المناسبات التي تمجد السلطة و تضعها فوق كل اعتبار.
لن نكون سوداويي النظرة تجاه إعلامنا، و لن ننكر أنه أيضا ضحية (أتحدث هنا عن الإعلاميين الشرفاء)، هو ضحية نظام سياسي فاشل قوامه الاستبداد بالرأي و اغتصاب الكلمة الشريفة و أصحابها، و الإعلام الكروي بالخصوص يجد نفسه في مواجهة محسومة النتائج أمام المسؤول عن أقوى و أشرس و أدنس نظام أمني في بلادنا.
هل الإعلام المغربي في مستوى تطلعات المتتبع للشأن الكروي؟
ما الذي يحتاجه الإعلام المغربي لكي يقوم بالدور الحقيقي المنوط به؟
ما هي آفاق الإعلام الرياضي المغربي في ظل الحكومة الجديدة و تغير الوصي على القطاع؟
هامش
من هذا المنبر أوجه تحية تقدير و إجلال لكل ضحايا الرأي المعتقلين في سجون الظلم ببلادنا، و تحية خاصة لأريري و حرمة الله، الصحفيان بأسبوعية الوطن و لكل الصحفيين الشرفاء بهذا البلد.

خربشات ثقافية في كرة القدم
خربشات ثقافية في كرة القدم

كرة الثقافة و ثقافة الكرة
لا يتناطح ثوران أن كرة القدم هي جزء لا يتجزأ من الهيكل المجتمعي لأي بلد، و قد اتفقنا سابقا أنه ليس من المنطقي تناول موضوع كرة القدم في المغرب بتجرد عن باقي القطاعات التي ترتبط به بصفة مباشرة أو غير مباشرة، أي أن الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه تستوجب أساسا دراسة معمقة لكل المفاهيم التي تتقاطع مع كرة القدم كممارسة و كمجال يستهوي شريحة كبيرة من المجتمع المغربي.
يعتبر كثيرون كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، هي جزء من حضارة البلد ومكون من مكونات إرثه الثقافي شأنه شأن التراث و الموسيقى أو الأدب، و هناك من يضعها في مرتبة أكبر من كل ما ذكر اعتبارا للجمهور الواسع الذي تستقطبه اللعبة و نظرا للتأثير الكبير الذي تتركه في صفوف الشباب و المراهقين و الأطفال، و قد علت الأصوات المطالبة بإعادة تأطير القطاع الكروي اجتماعيا و ثقافيا كخطوة أساسية في طريق التأسيس لنهضة ثقافية قبل أن تكون رياضية للمجتمع المغربي.
مع مرور السنين تغيرت نظرة الشباب المغربي لكرة القدم، فبعد أن كانت هواية تمارس في أوقات الفراغ و وسيلة للتسلية أضحت جزءا من الواقع اليومي، واتخذت أشكال التعامل معها صورا جديدة جعلتها فكرا متجذرا بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، فتغيرت طرق المتابعة و طرق التشجيع، و توسعت شريحة المتتبع لتشمل النساء و الأطفال و الشيوخ، و تغيرت نظرة المجتمع ككل لكرة القدم التي أصبحت تمثل بالنسبة للكثيرين قضية مصيرية توازي في أهميتها قضايا الهجرة و البطالة و الأمية.
لقد نجح الشباب المغربي في مواكبة التطور الهائل الذي شهده المجتمع الكروي الدولي، فقد كان من بين السباقين عربيا و إفريقيا، إن لم نقل أول السباقين، إلى عصرنة الفكر الكروي، و إدماج الساحرة المستديرة ضمن العمل الثقافي، و يمكن اعتبار المجتمع المدني المغربي نموذجا يحتذي في التعامل مع كرة القدم كوسيلة لتأطير الشباب و أداة لمحاربة مجموعة من الظواهر السلبية الدخيلة التي عرفت طريقها إلى أوصال الشارع المغربي و أبرزها الإدمان و الإيديولوجيات المتطرفة.
كرة القدم في المجتمع المغربي إذن أصبحت متصلة منفصلة بمحالات الفكر الأخرى، و لعل الفرق الجوهري بينها و بين المكونات الفكرية التقليدية أنها تلامس الواقع بشكل مباشر، وتخترق أبعد الحدود لتصل إلى كل فئات المجتمع، كما أن أبرز نقط قوتها تتجلى في كونها لا تخضع لأي ضوابط طبقية و تتمظهر فيها أبهى صور العدل الاجتماعي و نبذ العنصرية، إضافة لأنها لا تخضع لمنطق النخبوية الذي قد نجده في حقول ثقافية أخرى. هي تقافة الرياضي و رياضة المثقف، يخضع لسلطتها الغني قبل الفقير، و عشقها لا يستلزم شهادات أو مستويات دراسية معينة، هي من الكل و للكل، و إن لم تتوفر الموهبة للممارسة فشغف المتابعة يفي بالغرض.
كرة القدم و ثقافة الحوار الاجتماعي
بالرغم من الطابع التنافسي الذي يسيطر عادة على اللعبة، و خضوعها لمنطق الغالب و المغلوب، إلا أنها تبقى مجالا خصبا لتذكية روح التعايش و السلم الاجتماعي، و شكلا من أشكال الحوار بين الثقافات و الشعوب، و كأس العالم أبرز حدث عالمي يجسد هاته الفكرة، بعد أن نجح في تحقيق ما عجزت عنه السياسة بتجميع ملايين البشر بمختلف انتماءاتهم العرقية و الإثنية و الدينية و اللغوية حول قضية واحدة تتمثل في خضوع مشترك لسحر المستديرة.
المغرب لا يمثل استثناءا في هذا المجال، فبالرغم من بزوغ بعض مظاهر التعصب الدخيلة على المجتمع المغربي، إلا أن كرة القدم نجحت إلى أبعد الحدود في توحيد الرأي العام حول قضية مصيرية واحدة، و استطاعت تحقيق مكاسب كبيرة فيما يتعلق بالصلح الاجتماعي و كسر حدود التمييز الثقافي و العرقي الذي ورثنا مبادئه من عهد الحماية البائت وساهم في تزكيته بعض أصحاب النفوس المريضة التي وجدت ضالة مصالحها في تقسيم قوى الشعب و نشر روح التعصب الفكري و المذهبي.لقد استطاع لواء كرة القدم أن تحتوي كل المذاهب و السنن و الإيديولوجيات، و أن يصنع لحمة غريبة بين مكونات الشعب المغربي عجز عن تحقيقها أرباب الخطابات السياسية الجوفاء.
مظهر آخر من مظاهر الحوار الذي تتبناه كرة القدم يتجلى في حمل سفراء الرياضة المغاربة لواء تغيير صورة المواطن المغربي في الخارج، من خلال ممارستهم الكروية أو من خلال حياتهم اليومية كأعضاء صالحين في مجتمعات الاستقبال، يمارسون حياتهم العادية كمواطنين مندمجين بمرجعيات ثقافية و أخلاق مغربية.ولعل أبرز من قام بهذا الدور من اللاعبين المغاربة كان الجوهرة السوداء العربي بن مبارك، على اعتبار أنه استفاد من كل امتيازات الجمهورية الفرنسية، و لكنه لم يخلع عنه العباءة المغربية، فنجح في فرض فكر دولة كانت بالنسبة للفرنسيين أرضا استعمروها و سعوا إلى طمس هويتها، و في هذا الصدد يقول الاستاذ الحسين الحياني في كتابه "العربي بن مبارك لاعب القرن" -ص192-: "كان سفيرا بلونه،بفنه ،بأخلاقه بتعلقه بدينه الحنيف، فنه يشغل المولعين فيكبر في عيونهم المغرب و ابنه المغربيالمبدع، و كان سلوكه في الشارع الفرنسي وغير الفرنسي يضرب به المثل كمثال لابن بلد صغير في نظرهم ينفرد بأكرم خلق". في إشارة واضحة للمكانة التي احتلها النجم الأسمر في قلوب الفرنسيين، مما جعلهم يغيرون الصورة القاتمة المرسومة في أذهانهم حول المواطن المغربي.
التشجيع بالمغرب ما بين إنجاز و تعجيز
من باب النقد الذاتي، لزام علينا أن نذكر بأن ثقافة كرة القدم بالمغرب لم تسلم، شأنها شأن باقي الحقول الفكرية الأخرى، من بعض الشوائب التي سببتها عولمة الثقافة. فالانفتاح على العالم الخارجي و اختراق الحواجز السياسية الوهمية، بقدر ما كانت له إيجابيات كبيرة تمثلت في فتح باب الحوار مع الحضارات الأخرى و اكتشاف آفاق معرفية جديدة، بقدر ما ترك الباب مفتوحا لتسلل مجموعة من الممارسات الغريبة على المجتمع المغربي، و التي وجدت ضالتها في الفراغ الثقافي و السياسي الذي يعيشه الشباب المغربي، و كانت النتيجة تناسل ظواهر سلبية اجتمعت لتشكل ما يمكن أن نطلق عليه "المسخ الثقافي"، و من أبرز المجالات التي عانت من تبعات هذا المسخ.
مما لا شك فيه أن مجموعات التشجيع المغربية حققت قفزات نوعية في المغرب من خلال تأسيس تأطيرات تنظيمية متمثلة في جمعيات المحبين و الالترات، التي أصبحت تلعب دورا كبيرا في تعبئة القوى الفاعلة، و أضحت شكلا عصريا من أشكال النضال ضد الممارسات المشينة للسلطة،و خير دليل على ذلك الانتصارات المتوالية التي حققتها في مجال كشف المستور و إماطة اللثام عن تجاوزات كثيرة همت المشروع المزعوم لإعادة هيكلة كرة القدم و مشاريع إعادة تهيأة المنشآت الرياضية و الاختلاسات التي ارتبطت بها. إنجازات جعلت المخزن ينتبه و يشن حملات مسعورة ضد رواد الفكر في المجموعات التشجيعية المغربية، في قصة تذكرنا بالمعاناة التي أحاطت بمناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في ثمانينيات القرن الماضي.
نعوذ للنقد الذاتي، فبالرغم من كل ما ذكر حول التطور الذي عرفه فكر التشجيع ببلادنا، إلا أننا لن ننكر أنه بالموازاة مع الإنجازات الكبيرة، طفت على السطح ممارسات كان بعض المحسوبين على الجماهير أبطالا لها، أما تفاصيلها فكانت حلقات من التعصب و أشكال الشغب و التنكيل بالآخر و تخريب المنشآت الرياضية، فالبرغم من أن هاته الأعمال لا تكون بالحدة التي قد تصورها بعض وسائل الإعلام عادة، إلا أنها نقطة سوداء تستوجب استثمار الجهود من أجل محوها لأنها يد موجعة تمسكنا منها السلطات لتبرير ممارساتها الدنيئة في حق الكرة المغربية و في حق الشغوفين بحبها.

